زمن سمير فرنجية

طالبوا مع أبعاد بـ #المؤبد_إلو_الحياة_إلها

ما هي الموجبات التي تستدعي الاحتفال بـ “زمن سمير فرنجية ” ؟

كتاب محمد حسين شمس الدين يضع نقاط الأسباب على حروفها.

صدرت لدى “شرق الكتاب”، “سيرةٌ” ذكيّةٌ، بسيطة، متقشّفة، لكنْ مركّبة ومعقّدة، بالمعنى الإنسانويّ – الثقافيّ – الفكريّ – الفلسفيّ، لرجلٍ نبيلٍ مميّز، يُدعى سمير حميد فرنجيّة، لا هو من طبقة أهل الحكم والسلطة، ولا هو من أهل الطوائف والمذاهب، ولا هو من قوافل المارونيّة السياسيّة وسواها من القوافل الأخرى، ولا هو من أهل المال والتشاوف والاستكبار. الكتابِ – السيرة الذي وضعه صديقُه ورفيقُ دربه الأستاذ محمد حسين شمس الدين، مفتاحٌ معرفيٌّ موثوقٌ به لدخول رحاب الزمن المقصود، والتفاعل معه، والعيش فيه، والتأمّل في صيرورته المستقبليّة.

لماذا سمير فرنجيّة، وهل للرجل زمنٌ خاصٌّ، موسومٌ به؟ للإجابة، أعتقد أنّ شخصًا، كمثل سمير فرنجيّة، شغلته مسائل الكينونة والوجود والعيش والأرض والناس والدولة والمصير، في لبنان والمنطقة العربيّة والعالم، جديرٌ بكتابٍ – سيرة، وخصوصًا إذا كان قد جعل حياته على تماسّ حيويٍّ وديناميٍّ مع هذه المسائل “الخطيرة”، من منطلقاتٍ قيَميّةٍ، مجتمعيّةٍ وسياسيّةٍ وثقافيّةٍ وحضاريّة، وهو الأمر الذي كوّن لديه معرفةً عميقةً بهواجس المكان والزمان، وغوايات التاريخ والجغرافيا، فراح يضع نصب عينيه أن يتأمّل ويفكّر ويبحث ويسائل ويناقش ويحاور ويقترح ويجترح، في سبيل معرفة الاحتمالات الممكنة، بهدف إحداث فارقٍ جوهريًّ في حركة التاريخ، والانتقال بالناس والمجتمع والدولة إلى رحاب الكينونة الوطنيّة والإنسانيّة الجامعة.

كان لا بدّ لسمير فرنجيّة من أن يشتغل في الشأن الوطنيّ العام، وأن ينخرط، وأن “يتورّط”. فاشتغل، وانخرط، و”تورّط”، لكنْ من دون أن يؤخذ عليه انجرافٌ عصبيٌّ أو فئويّ، انتهازٌ أو ارتهانٌ وارتزاقٌ، وبقي يشتغل، وينخرط، و”يتورّط”، حتى اللحظات الأخيرة من حياته. وعندما غاب، كان قد أدّى قسطًا جليلًا من مهامه، تاركًا للتاريخ، والمعنيين به، إنصاف أفعاله، ووضعها في سياقها التاريخيّ وأبعادها الوطنيّة.

“زمن سمير فرنجيّة…” لمحمد حسين شمس الدين، يقترح علينا “سيرةً” تستقي من بئر الموضوعيّة ماءً كثيفًا، إذ تتّكئ، من جهةٍ، على وثائقَ وأرشيفاتٍ وكتاباتٍ وحواراتٍ ومنشوراتٍ وتسجيلاتٍ ومراجعَ وشهادات، وتتّكئ من جهةٍ ثانية، على تعارُفٍ شخصيٍّ وطيدٍ، طويلٍ ودؤوبٍ، مخلصٍ ومجانيٍّ وحميم، بين صاحب السيرة وكاتبها، أو “أمين سرّها”.

ثمّة تقديمٌ للمطران يوسف بشارة، ومدخل، وسبعة فصولٍ هي على التوالي: النشأة، زمن العواصف، زمن الحرب، زمن الوصاية السوريّة، زمن انتفاضة الاستقلال، في تغيير الزمن اللبنانيّ، وسمير فرنجية في سجلّ الخالدين. هذه السيرة التي تتناول مراحلَ ومحطّاتٍ أساسيّة من حياة سمير فرنجيّة، و”أشغاله”، جديرةٌ بالقراءة، والمساءلة. قارئها يخرج بخلاصاتٍ نوعيّةٍ تجعله “يؤمن” بأنّ سمير فرنجيّة كان “صاحب زمن”.

فلماذا هو “صاحب زمن”، يا ترى؟ الجواب: لأنّ سمير فرنجيّة، إذ هو ابن حميد قبلان فرنجيّة، هو في الآن نفسه، صانعُ ذاتِه بذاتهِ أوّلًا. وهو، ثانيًا، صانعُ زمنٍ مختلفٍ، مُغايِرٍ، مضيء، لمّاع، مضمَّخ بآمالِ الناس، وخبراتِهم، وفجائِعهم، ووقائعِ أيامهم، آخِذًا بهم إلى مستقبلِ وطنِهم ومستقبلِ أبنائِهم. وهو، ثالثًا، “صاحب زمن”، لأنّه دعا الناسَ، أي اللبنانيين، إلى صنعِ زمانِهم بأنفسهم، بدلَ الانطواءِ في الماضي، أو في أزمنةِ الآخرين.

هذه أسبابٌ ثلاثةٌ، تكفي للتفكّرِ في معنى الزمنِ نفسهِ، كسلطةٍ ماحقةٍ، كدولابٍ لا ينظرُ إلاّ إلى دورانِه المدوِّخ، وكقَدَرٍ لا رادَّ لجبروتِه. يُضاف إليها سببٌ رابعٌ، هو السببُ الجوهريُّ الذي تدعونا “السيرة” إلى تلقّفه، وهو زمنُ الخروجِ من منطق الأقدار إلى منطق المشاركة الديناميّة في صناعة التاريخ.

سمير فرنجية، هو في هذا المعنى، من الأشخاص الذين انشغلوا انشغالًا بالزمن، لا نظريًّا وفلسفيًّا فحسب، بل واقعيًّا، وعملانيًّا، وتطبيقيًّا، حين راح يمزج بين معنى الزمن كنظريّة، وبين سُبُل الاندراج في سياقه، كقوّةٍ فاعلةٍ وتغييريّة، أكان ذلك على صعيد الأفراد أم على صعيد الجماعات، أم على صعيد الدولة والوطن.

لأجل ذلك، هو “صاحبُ زمن”. شأن الذين يتركون بَصَماتِهم الجليّةَ على الأزمنة الإنسانويّة والسياسيّة والوطنيّة والمجتمعيّة والفكريّة والثقافيّة والحضاريّة، ويعملون على إنجاز ما يصعب – بل يستحيل – إنجازه على مُتسلّقي المناصب وسارقيها ومُنتهِزي الفرص، أن يُنجِزوه. مثلما يصعب – بل يستحيل – أن يُنجِزه أهل الحكم والسلطة، و”سكّان” الطبقة السياسيّةِ، في مفهومها الكلاسيكيّ المتعارَف عليه. هؤلاء، أهلُ هذه الطبقة السياسيّة من جهة، ومعهم المتسلّقون والسارقون والمنتهِزون، من جهةٍ ثانية، على رغم أنّهم يصادرون “الزمن”، ويحتلّونه، ويكتبون تاريخه المزوَّر، يعبرون عبوراً نافلًا على هامشه، لا في متنه الخلّاق، مُلتحِقين بقطاره، مُندرِجين في أعداد المُتراكِبين فيه، كأرقامٍ ليس إلاّ.

أما هو، سمير، فمن هؤلاء الأشخاص القلائل النادرين، الذين ينشقّون عن البِنية العامّة للزمن، لا ليخرجَ منه، بل ليُعيد صناعته. أو، في الأقلّ الأقلّ، ليساهم في إعادة صناعته. هو واحدٌ من هؤلاء الرؤيويين النادرين، المشغوفين، المتقشّفين، الزهّاد، “المبشّرين”، “الرسوليين”، العاشقين التعرّف إلى الآخر، والعيش معه.

وهو “صاحبُ زمنٍ”، لأنه يسأل، ويبحث، ويفتّش، ويناقش، ويختبر، وينتقد، ويقترح، ويجترح. ولأنه لا يقبل بالأمر الواقع، ولا ينساق، ولا ييأس، ولا يستسلم للسهولة التي تُوصل أصحابها إلى المراتب السهلة، التي تكون عادةً مجبولةً بالخساسة، والنذالة، والتنازل، والمساومة، وعقد الصفقات المشبوهة، التي من مُوجباتها القَبولُ بالتنازل عن “الأخلاقيّات” والمعايير القيَميّة والكرامات والسيادات.

سمير فرنجية لم يكن، في هذا المعنى، من الصغار. كان كبيرَ نفسه، لأنّه كان يُخضِع نفسَه للمساءلة، أمام ذاته، وأمام الآخرين، وأمام التاريخ. كلُّ مَن يضع نفسه في الأسئلة، يصير جديرًا بالأسئلة، وباحتمالات الأجوبة الملائمة لها، وعنها. لهذا السبب، زمنُهُ، زمنُ سمير فرنجية، يُولَد باستمرار، لأنه ليس زمنًا مُسبَقًا، ولا يركن إلى مُنزَلات. ولأن هذا الزمن يُصنَع باستمرار. ولأنه قيد الولادة باستمرار.

على ضوء هذا المفهوم البسيط، لكن المعقّد، يُقارب محمد حسين شمس الدين زمنَ سمير فرنجية، المتعدِّد، المتنوّع، المتضامن – المتضادّ، المتآلِف – المتنافر، الرحب، الوسيع، القابل للآخر، الذي لا يكتمل إلاّ به.

ها هنا، في هذه النقطة، وفي هذا المجال، نفهم تمامًا أن زمن سمير فرنجيّة ليس زمنًا أفقيًّا. بل هو زمنٌ مركّبٌ، عموديٌّ، ومتداخل. ولأنّه كذلك، هو زمنٌ شاقٌّ، وصعبٌ، وليس من الضروريّ أن يكون موضع إجماعٍ، أو أن يكون معصومًا من خطأٍ وغلطٍ. هذا الموقع “الزمنيّ” بالذات، لا يختاره، ولا يركب مركبه، إلاّ أهلُ الرؤيا والتفكُّر والصبر والتؤدة والحنكة والحكمة والرحابة العقليّة والأنفاس الطويلة والعميقة. وإذا كان بعضهم يعتقد أنّ سمير فرنجيّة لم يكن في “أشغاله” موضع إجماعٍ – وهذا طبيعيٌّ وصحّيٌّ – أو إذا كان بعضهم يرى أنّه قد يخطئ ويغلط، فشأنه هذا، شأن المتدخّلين في سيرورة الزمن، والفاعلين في جوهره، والعاملين على مخض لبنه، واستخراج الزبدة منه. هذا يندرج في صلب “أشغال” أهلِ اليقظة والانتباه. وقد كان سمير فرنجية حين يُظَنّ أنه واقعٌ في غفلةٍ ونقصان، سرعان ما يتدارك أهل الظنّ هؤلاء، أنّه يتفّهم مكوّنات “اللحظة الزمنيّة المفارِقة”، إذ يرونه يهبّ في الوقت الحاسم، للالتحاق المليء بيقظة العقل وانتباه القلب، وهذان يُولدان كلَّ يوم، ويصيران كلَّ يومٍ، ويُنجَزان كلَّ يوم.

كتاب الأستاذ محمد حسين شمس الدين، يضع سمير فرنجيّة في زمنه هذا، ناسجًا له سيرةً مركّبةً، الشخصيّ فيها والذاتيّ هما صنوُ العموميّ والوطنيّ. كتابُهُ هذا، يكتُبُه الأمناء المخلصون الموثِّقون المؤرِّخون، ويكتبه الأحباب الكبار.

عقل العويط

اخترنا لك

التعليقات مغلقة.