لبنان، صوت واحد للتغيير…

طالبوا مع أبعاد بـ #المؤبد_إلو_الحياة_إلها

أستعير هذه الجملة من صفحة الحملة الانتخابية للحزب الشيوعي اللبناني، التي أنشئت بمناسبة التحضير لخوض الانتخابات النيابية في لبنان. هل من الممكن ان يكون لقوى الاعتراض والتغيير صوت واحد في مواجهة القوى الضخمة التي تحتل مسرح السلطة منذ انتهاء الحروب اﻷهلية التي وضعت في قمة السلطة أمراء حرب الطوائف؟

إنها ولا شك انتخابات “تاريخية” بكل ما للكلمة من معنى. ليس بسبب كونها فرصة لتغيير كبير في لبنان، بلد الديمقراطية التوافقية، بلد حكم العائلات الطائفية، او حكم النادي المغلق للطبقة السياسية التوريثية. وليس بسبب أننا قادمون على هزيمة مدوية للطبقة السياسية الطائفية التحاصصية الفريدة من نوعها في العالم، من حيث جمعها للديمقراطية شكلا وللديكتاتورية مضمونا.

انتخابات ربيع 2018 هي اول انتخابات تجري في ظل قانون النسبية الذي جاء استجابة لرغبة نخبوية في إصلاح النظام الانتخابي في لبنان. وقد جهد جهابذة العائلات التي تحكم لبنان في إفراغ مطلب النسبية من مضمونه اﻹصلاحي، بربطه ببدعة طائفية “توافقية”، وهي الصوت التفضيلي الذي يجرد النسبية من جزء كبير من مضمونها اﻹصلاحي.

يبقى أن هذه الخطوة الإصلاحية الصغيرة استطاعت أن ترمي حجرا صغيرا في المستنقع اﻵسن للنظام الذي جفت معظم مياهه. تلقفت قوى الاعتراض والتغيير هذه الفرصة لكي تخوض معركتها “الكبرى” في مواجهة ما اصطلح على تسميته بالطبقة السياسية الطائفية التحاصصية.

منذ عام 2011 تحاول قوى الاعتراض والتغيير الشبابية و”الهرمة” أن تثبت وجودها في ساحة المواجهة مع النظام السياسي الطائفي اللبناني، من دون تحقيق نجاح يذكر.

آخر وأهم معركة بين السلطة وقوى الاعتراض، كانت في صيف 2015 ، حيث أظهرت قوى الاعتراض حجمها، وأثبتت قوتها، ولكن في لحظة لا تسمح بتسديد ضربة للسلطة بسبب وجود حكومة تصريف أعمال. هل كان يمكن أن تفضي تلك “الانتفاضة” الشبابية لتغيير ملموس بوجود قوى عاتية تحمي النظام وجمهور واسع يشكل قاعدة هذا النظام؟ كثيرون يشككون بهذا اﻷمر. كثيرون يرددون أن لا تغيير بوجود جيش “ضعيف” وسلاح أهلي قوي يشكل دعامة النظام الطائفي في لبنان اليوم.

تحاول مجموعات وأحزاب التغيير أن تحشد كل قواها في معركة منسقة ضد الطبقة السياسية الحاكمة بكل أطيافها. ثمة أطراف صغيرة وضعت نفسها خارج هذه المعركة، ﻷن بعض قوى التغيير لا تعجبها أو لا تناسب خطابها عالي السقف. وثمة قوى تتهيأ لخوض المعركة ولكنها تصنف كمعارضة انتهازية. وثمة قوى يسارية تقليدية معارضة تحاول طرح نفسها كقوة بديلة عن النظام المتهالك، وتدعو ﻷن يكون هناك صوت واحد للتغيير، هي أهم مكوناته كما تعتقد.

ثمة أصحاب رأي من المعارضين للنظام الطائفي اللبناني، يعبرون عن تأييد متحفظ لقوى المعارضة التي توحدت بعد جهود طويلة ومضنية تحت عنوان “تحالف وطني”. وهم يبدون شكوكا حول برنامج هذه المعارضة الذي يتجنب طرح حلول لما يسميه “مسائل شائكة”، ما من شأنه أن يشوش على هذا التكتل المعارض الرئيسي الذي يسعى جاهدا لتوحيد قوى المعارضة تحت مظلة سياسية جامعة، متجاوزا تاريخا طويلا من الشرذمة الشللية للقوى المنبثقة من الحراك المدني.

برأيي المتواضع أنه ينبغي تفهم الصعوبات التي تحول دون توحيد قوى المعارضة تحت برنامج سياسي راديكالي أي قصووي. صحيح أن هناك أمورا يجب ان تكون واضحة مثل الموقف من موضوع السلاح خارج الدولة، ورفض إلحاق لبنان بالمحور اﻹيراني، ولكن قوى التغيير لا تتمتع بحصانة كبيرة تسمح لها بإعلان حرب كلامية ضد السلاح الطائفي والدول التي تقف خلفه. كل كلام يساق ضد تكتل قوى المعارضة تحت هذا البند ليس أكثر من صراخ خطابي لا يفيد قضية التغيير بشيء في لبنان.

قد يقول البعض، إن الوضوح ضروري في معركة سياسية كبيرة.ولكن أليس من الحكمة فهم أن تكبير الحجر بشكل يصبح حمله مستحيلا، وتكثير “اﻷعداء” والخصوم وتوحيدهم، كل ذلك من شأنه أن يحول المعركة الانتخابية اﻷولى لقوى المعارضة، إلى حرب طواحين دونكيشوتية بامتياز..
قوى التغيير بحاجة لكل جهد تحشيدي إضافي في مواجهة النادي السياسي المغلق المدعوم بقوى كبيرة، والقادة الذين يخوضون هكذا معارك يستحسن أن يمتلكوا عقلية جنرالات يخوضون معركة صعبة يتجنبون فيها حرق مراكبهم، وليس عقلية ثوار هامشيين يريدون إسقاط قلعة محصنة بال “النقيفات”..

لا ينفع تريد التعاويذ الثورية ضد الدويلة المتخندقة طائفيا وعسكريا، وضد المحاور اﻹقليمية الشرسة، في تحقيق أي إنجاز في معركة غير متكافئة، ولا في زيادة احتمالات النجاح في مواجهة طبقة سياسية فاسدة منقسمة حول توزيع المغانم، وموحدة ضد قوى المعارضة.

كمراقب لتحضيرات المعركة الانتخابية، يبدو لي أن اليسار الرسمي قد أحسن بفتح الحوار مع القوى المعارضة المختلفة، وبقبوله بالعمل مع القوى الشبابية من دون فوقية، ولكنه ما زال، كما أعتقد، يحاول إثبات أحقيته بالموقع القيادي، وهذا يضر ولا ينفع. إن أية صبغة يسارية للوائح المعارضة من شأنها أن تطيح بآمال المعارضين بتحقيق قدر معقول من الاختراقات في جدار الطبقة السياسية المافياوية الحاكمة.

ليس سبب الحذر من اللون اﻷحمر يكمن في رفض مسبق ﻷفكار اليسار ومبادئه، ولكن ﻷن أي تصدر للقوى اليسارية التقليدية للوائح الانتخابية يمكن ان يضعف من تأييد اﻷكثرية المستقلة غير المحزبة للوائح المعارضة. تلك اﻷكثرية المستقلة التي يعول المعارضون عليها، بمن فيهم اليساريون، لا ترى في اليسار اليوم مخرجا ﻷزمة النظام، ولا ترى في اليسار اﻵن بديلا واقعيا للطبقة السياسية الحاكمة، كما لا يرى كثيرون في النخب المعارضة أن اليسار الراهن يشكل قوة تغيير حقيقية، ﻷسباب ليس هنا المكان المناسب لتفصيلها.

في المحصلة، يبدو أن الطريق اﻷقصر لتحقيق اختراقات محدودة وملموسة في الجدار الصلب للنظام اللبناني الطائفي، هو الطريق الذي تتوحد عليه المعارضات من كافة المنابت والأهواء، يسارية ويمينية معتدلة، ذات التوجهات المدنية والديمقراطية الحقيقية، من دون تنابذ وتناتش على جلد الدب قبل الحصول عليه، واضعين نصب أعينهم أن الخصم اﻷول واﻷكبر لمستقبلنا ومستقبل أبنائنا، هو الطبقة السياسية الطائفية التحاصصية بكل أطيافها من دون تمييز.

د. فؤاد سلامة

اخترنا لك

التعليقات مغلقة.