لن أرضخ لابتزاز الخجل ولن أرضخ لابتزاز العدم

طالبوا مع أبعاد بـ #المؤبد_إلو_الحياة_إلها

في لحظةٍ ما، كهذه اللحظة، يستبدّ بي شعورٌ طاغٍ يجعلني أخجل من كوني موجوداً، ومن كوني موجوداً “هنا” بالذات، تحت نعال هذه الحياة “اللبنانية” مطلقاً، وهذه الحياة السياسية تحديداً. أهو الخجل فحسب، أم أكثر، وأعمق، وأفدح، وأشدّ هولاً؟! يقيني، أنه شيءٌ من هذا كلّه، معاً وفي آنٍ واحد.

إلى درجة أتمنّى فيها أن أتحصّن بمملكة الكتب والذات، فلا أخربط عزلةً شمّاء وراقية، بل أن أظلّ أشرد عن سِقْط متاع هذا “العالم”، وعن التعاطي مع الوقائع والمعطيات، وخصوصاً ما يتصل منها بالسياسة، والطبقة السياسية، والرئاسات، والحكومات، والمجالس، والنواب، والوزراء، وأهل الطوائف، والمذاهب، والإدارات، والمؤسسات، والبنى التحتية، والوظيفة. وهلمّ.

يخجلني أني مخجولٌ من كوني موجوداً.

ويخجلني أني أعترف بأن الإنسان “هنا”، هو لا أحد. لا شيء. مجرّد برغشة. غبار. أو عدم. بأني، وأترابي، وأشباهي، لا شيء، ولا أحد. فإذا كان الإحساس بالوجود هو على هذه السويّة المفجعة، أفيكون ثمّة جدوى من القول، من الغضب، من النقد، من الفضح، من التعرية، و… من الكتابة “السياسية” التي، كحجر رحى يدور على نفسه ليطحن الفراغ، وليخبز رغيف العبث والعدم ؟!

بقوّة، أعترف بأني مخجولٌ من كوني لا شيء، ولا أحد، في بلادٍ لم يعد فيها – بالكاد – ملجأ لشيءٍ أو لأحد. أعترف خجِلاً، عارفاً أني أسيء إلى حصانتي الروحية العنيدة، إلى نفسي، وإلى القيم، وأني لا أقدّم دعماً ولا خدمةً للمواطنين القلائل الذين لا يزالون يتشبثّون بالقيمة، بالأمل، ويعاركون، ويقفون في وجه السقوط الأخلاقي اللبناني المخزي، بكِبَرٍ وصلابة، ليصنعوا فارقاً معنوياً ورمزياً هو علامة التحدّي والوجود، وهو أقصى ما يمكن أن يفعله امرؤٌ يرفض أن يعيش تحت نعل هذه الحياة، هذه الحياة السياسية تحديداً.

كيف لا أخجل من أن أكتب عن القمة الاقتصادية العربية التي انعقدت في لبنان؟ عن الأحزاب والقوى السياسية؟ عن العهد؟ عن مجلس النواب؟ عن الحكومة التي لن تولد؟ عن الحكومة التي تصرّف الأعمال والتي قد يتمّ تعويمها لملء العبث إلى آخره؟ عن الوضع الاقتصادي؟ عن الليرة؟ عن الرواتب؟ عن أطفال البرد؟ عن أحوال الطرق؟ عن العواصف وأسمائها؟ عن تخريف الإعلام بأشكاله وأنواعه؟ عن النفايات؟ عن التلوّث؟ عن الأنهر؟ عن الشواطئ؟ عن البحر؟ عن اللحوم؟ عن الفقر؟ عن الجوع؟ عن المرض؟ عن الدواء؟ عن الضمان؟ عن النازحين؟ عن تعويم النظام الأسدي؟ عن سلاح “حزب الله” والنفوذ الإيراني؟ وعن الطعون الانتخابية، والمشي بين النقط والألغام، مراضاةً لهذا ودرءاً لذاك؟

أعترف بأني مخجول من كوني موجوداً “هنا”، ومن كوني مرآة للعجز والعدم. لكني بكلّ كِبَر، أقول، وبقوة: لن أرضخ لابتزاز الخجل، ولن أرضخ لابتزاز العدم !

عقل العويط

 

اخترنا لك

التعليقات مغلقة.